ابن كثير
460
السيرة النبوية
فذكر القصة نحو ما تقدم إلى أن قال : وبدرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام . فقال : " أيكم يقضى عنى ديني ويكون خليفتي في أهلي ؟ " . قال : فسكتوا وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله ، قال وسكت أنا لسن العباس . ثم قالها مرة أخرى ، فسكت العباس ، فلما رأيت ذلك قلت : أنا يا رسول الله . قال : أنت ؟ ! قال : وإني يومئذ لأسوأهم هيئة ، وإني لأعمش العينين ، ضخم البطن ، خمش الساقين . وهذه الطريق فيها شاهد لما تقدم إلا أنه لم يذكر ابن عباس فيها فالله أعلم . وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عباد بن عبد الله الأسدي وربيعة بن ناجذ عن علي نحو ما تقدم - أو كالشاهد له - والله أعلم . ومعنى قوله في هذا الحديث : " من يقضى عنى ديني ويكون خليفتي في أهلي " ، يعنى إذا مت ، وكأنه صلى الله عليه وسلم خشي إذا قام بإبلاغ الرسالة إلى مشركي العرب ( 1 ) أن يقتلوه ، فاستوثق من يقوم بعده بما يصلح أهله ، ويقضى عنه ، وقد أمنه الله من ذلك في قوله تعالى " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " ( 2 ) الآية . والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استمر يدعو إلى الله تعالى ليلا ونهارا ، وسرا وجهارا ، لا يصرفه عن ذلك صارف ولا يرده ح عن ذلك راد ، ولا يصده عن ذلك صاد ، يتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم ، وفى المواسم ، ومواقف الحج .
--> ( 1 ) ا : بإبلاغ مشر ؟ كي العرب رسالة الله . ( 2 ) سورة المائدة .